محمد بن وليد الطرطوشي
148
سراج الملوك
مناوئهم « 1 » ومناصبهم ، ويعصى ربّه فيهم ويخالف أمره ، ويركب نهيه من أجلهم ، ويقتحم جراثيم « 2 » جهنّم على بصيرة فيهم ، ثم تجدهم له قالين « 3 » ، وعنه غير راضين ، ولولا أنّ الله سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه ، لم يرض عاقل بهذه منزلة ، ولا اختارها لبيب مرتبة ، وكل ما ذكرته في هذا الباب أحكمه النبي صلى اللّه عليه وسلم في كلمة ، فقال : « ما لكم ولأمرائي ؟ لكم صفو أمرهم ، وعليهم كدره » « 4 » . * * * مثال السلطان مع رعيته « * » : ومثال السلطان مع الرعيّة : كالطبّاخ مع الأكلة ، له العناء ولهم الهناء ، وله الحارّ ولهم القار « 5 » ، طلب لقومه الراحة ، فحصل على التّعب ، وطلب لهم النعيم ، فأخطأ الصّراط المستقيم ، وعن هذا قالوا : ( سيّد القوم أشقاهم ) وفي الحديث : ( ساقي القوم آخرهم شربا ) « 6 » . وكان بعض سلاطين المغرب يسير يوما وبين يديه الوزراء ، إذ نظر إلى جماعة من التجّار ، فقال لوزيره : أتحب أن أريك ثلاث طوائف ؟ طائفة لهم الدنيا والآخرة ، وطائفة لا دنيا ولا آخرة ، وطائفة دنيا بلا آخرة ؟ قال : وكيف ذلك أيّها الملك ؟ فقال : الذين لهم الدنيا والآخرة : فهؤلاء التجار يكسبون أقواتهم ، ويصلّون صلاتهم ، ولا يؤذون أحدا . وأما الذين لا دنيا لهم ولا آخرة : فهؤلاء الشرطة والخدمة الذين بين أيدينا . وأما الذين لهم الدنيا بلا آخرة : فأنا وأنت وسائر السلاطين . فحقّ على جميع الورى أن يمدّوا السلطان بالمناصحات ، ويخصّونه بالدّعوات ، ويعينوه على سائر المحاولات ، ويكونوا له أعينا ناظرة ، وأيد
--> ( 1 ) أي معاديهم . ( 2 ) جراثيم جنهم : أي أصلها . ( 3 ) قالين : أي مبغضين له ( تقالا الرجلان : تباغضا ) . ( 4 ) جزء من حديث طويل رواه الإمام أحمد في مسنده ( 6 / 27 - 28 ) وأبو داود في السنن في كتاب الاجتهاد عن عوف بن مالك الأشجعي . * من إضافات المحقق . ( 5 ) القار : البارد . ( 6 ) رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي قتادة والطبراني في الأوسط ، والقضاعي عن المغيرة ، والحديث صحيح . ( الجامع الصغير للسيوطي 2 / 30 ، رقم : 4630 ) .